أفلوطين
200
أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )
والواحد إما أن يكون واحدا محضا بقول مرسل ليس فيه شئ غير آنيته وهويته ، وإما أن يكون استفاد الواحدية باتصال ، أو اجتماع ، أو غير ذلك ؛ وهذا ليس بواحد حق ، بل كثير ، والواحد فيه فليس بواحد في ذاته ، لكن من أجل نيله الواحدية من غيره واستفادة إياه فتكون الأشياء كلها كل واحد منها واحد ، ولا واحد معها بوجهين مختلفين ، والعلّة الأولى هي الواحد فقط لا يشوبه شئ آخر البتة ، وأن كل كثرة معلولة منه ، وهو قبل كل كثرة ، ولا يخالط شيئا من الكثرات بل هو علّتها . وكل واحد فإنما كان واحدا من أجل أنه استفاد منه وحدته باتصال أو باجتماع أو غير ذلك . وهذه كلها [ 148 ] آثار وفعل من أفاعيله . فإذا كان الواحد في الأشياء أثرا وفعلا مستفادا ، لم يكن واحدا بقول مرسل . فأما الواحد الذي هو هو بذاته واحد فهو الواحد الحقّ المبين ، وهو الذي يفيد كل واحد واحديته « 1 » . وكل واحد سواه هو في ذاته كثرة ، وعن « 2 » الواحد الحق ينال واحديته . فإن الكون لا يقع على « أيسية » الشئ ، إنما يقع على « ليس الشئ » ، فإذا صار « أيسا » فقد صار واحدا مستفادا من شئ هو « أيس » ، والشئ لا يخرج نفسه من « ليس » ويجعلها « أيسا » ، فلا بد من أن يتقدمها « أيس » لم يكن « ليسا » في وقت من الأوقات ولم يستفد كونه أيسا من غيره . ونقول : إن كل كثرة فهي بعد الواحد . فإن وجدت كثرة قبل الواحد ، كان الواحد من كثرات ولم تكن الكثرة من وحدات . وهذا ممتنع . فإذن لا تكون كثرة ما قبل الواحد ، إلّا أن يكون واحدا بالعرض مثل مدينة واحدة وإنسان واحد . فلا محالة إذن أن الواحد موجود في طبيعة الكثرة : وإذا كان الواحد الذي هو واحد بذاته قبل الكثرة كانت الكثرة بعد الواحد لا محالة . فالواحد قبل الكثرة وفيها : أما قبلها فالواحد الحق الذي منه انبثاث الوحدات والكثرة ، وأما فيها : فالأجزاء التي منها تركب الكثرة تنبثّ من الواحد ، والواحد هو العلّة الأولى ، والكثرة هي المعلول منه . فالواحد هو واحد من جهة الذات لا كثرة فيه البتة . وأما من جهة العلّة فهو لا واحد لأنه يتكثر من جهة معلولاته ، وكذلك الكثرة هي كثرة في ذاتها . وأمّا من جهة علّتها الواحدة
--> ( 1 ) ص : وحديته . ( 2 ) ص : وإن .